بكيت في ميلادي




إنه يوم السادس عشر من شباط لقد قام الفيس بوك مشكوراً بلفت انتباه جميع أصدقائي إلى هذه المناسبة منذ انطلاقتها التاريخية هذا العام . حضر جميع المهنئين العرب من كل أصقاع العالم يحملون في قلوبهم الفرح وعلى شفاههم ابتسامات كالشمس وأنا أقف على باب عامي الجديد أفتش بين وجوه القادمين عن أهلي نعم عن أهلي .
ورحت أحاول عبثاً الاتصال بأي رقم ممكن ولكن لا جدوى من المحاولة بعد ما يزيد عن خمسة عشر يوماً . رباه أغثني باتصال واحد يثلج صدري في هذا اليوم . رحت أقلب الرسائل الواردة من العام الماضي . كانت أولى المهنئين أمي وآخرهم أمي ورسالة من هنا وحرف من هناك لكن الآن لا أمي ولا أبي ولا إخوتي . اجتمع كل الأصدقاء حولي ليحملوني بقلوبهم وأمنياتهم إلى عامي الجديد لكن دموعي شقت عليهم حملي . وحدها ذاكرتي حملتني إلى الماضي كي تخفف عني وطأة الحزن والبكاء. لأول مرة لا أتنفس ياسميناً ولا أعرف أي شيء عن أهلي في عيد ميلادي.
في 16\2\2004 عدت من مدينة حلب مسرعاً في يوم مثلج بارد لاستقبال جدي وجدتي ( والدا أمي ) من الحج  كان الأقارب مجتمعين في لهفة وغبطة  للقائهم . لكن أهلي لم يكونوا معهم , ترجل الحاجان وأخذت دوري بين المرحبين وقتها امتزجت دموعي بالثلج  لأنهما لم يصحبا أهلي من السعودية , دخل الجميع إلى الدار في فرحٍ وسرور وحدي من بقي يتأمل وأنا كذلك لمحت دارنا القديمة , أعادتني ذاكرتي إلى 16\2\1987 حين وقعت على عتبة باب البيت وشج جبيني اليمين , حملتني عندها أمي وراحت تبكي وصراخي يمزق أشلاء الشتاء البارد ودماء تسيل وتتطاير على وقع خطى أمي المسرعة إلى دار جدي ( أهلها) وهناك اجتمع الناس ووضعوا لي ما يسمى بالمواد الأولية دون الذهاب لطبيب أو مركزٍ صحي وبعدها حملتني أمي في حضنها فقرت عيني وهدأت ,ولكنه بقي ندباً أبدياً يراني كلما يممت وجهي صوب المرآة .
رسالة جديدة من صديقي حميم أعادتني إلى الوراء في 14\2\1983 حيث الشتاء يهدي الأرض خباياه من الثلج والعواصف في تلك القرية التي المتباعدة بيوتها عن بعضها البعض . بدأت أتململ من البرد الذي تقاسيه والدتي للفقر المقبع حولنا . كان المستشفى الوحيد غرفة النوم  في بيتنا والطبيبة المناوبة هي الداية الحاجة ديبة ( جدة جدتي ) التي ربما تجاوزت الثمانين ربيعاً أما الممرضات فهن نساء العائلة تناوبن ليومين لاقت فيهما والدتي من العذاب ربما ما تلاقيه سورية اليوم في مخاض حريتها وأنا ألملم أعقاب سجائري في العالم ذاك وأدخنها على آخرها راجياً عالماً أكثر حرية يتسع لمستوى جنوني ومدى حروفي , وما بين الساعة الأولى والثانية من 16\2\1983 خرجت إلى الحياة باكياً بدأت الزغاريد والتهاليل حولي بكلمات لا يمكن لمن كان في عمري حينها أن يعيها , دثرتني النسوة بسرعة وأعطوني لجدي ليؤذن في أذناي , والكل فرحٌ بهذا المولود الجديد وأنا أبكي , ثم أعادوني لحضن أمي المتألمة الفرحة ببكرها الذي يصغرها بستة عشر ربيعاً., عندها هدأت عن البكاء وأغمضت عيني,
لقد بكيت أربعاً في تاريخ ميلادي وأحتاج حضن أمي اليوم كي أهدئ وأغمض من جديد


محمد طكو
الأردن عمان
16\2\2012

التعليقات
0 التعليقات